Friday, September 30, 2011

من أوقف الحياة دون إذني ؟

 
أتي من نفس الشارع الذي يأتوا منه الناس جميعا .. سلك  تلك الطرقات التي تأكلت من نعال اجداده
حتي الحارات الضيقة العتيقة لم تسلم من خطواته .. هو سكير كل الحانات الذي لا يفوت الصلوات
هو من ؟ هو من يملك خرائط  سراديب المدينة..هو وحده الملم بأزقة الشياطين و حدائق الملائكة
هو من يسمع بعينية و يري بأذنيه .. يتكلم بيديه و يتحرك بشفتيه .. هو من ضيع عمره يجر قدميه
و وقت ان تملك المرض ساقيه
.. رأي أمامه مدينة اخري غير تلك التي اعتاد الركض فيها مغمض العينين
 دون مقدمات وجد نفسه ضيفا في بيته .. غريب في وطنه .. عالة علي اهله .. حتي فراشه لا يحتويه
نظر الي سقف غرفته سارحا و هو من كانت سماءه  البعيدة تعوق حريته
أدرك عجزه .. أيقن ان خطواته توقفت هنا .. غطي ألم قلبه علي ألم قدمه .. بدأ كالمشعوذ يحدث نفسه
لماذا .. متي .. كيف
.. كيف و أنا من سبح عاريا بطول نهرها أغرق بها .. كيف أتوه و أنا دليل صحراءها
ضربته (كيف؟) بشلال من الأسئلة جعلت إيمانه محل مسائلة .. جعلت منه و ما جعلت الا .. مجرد سائلا
و السائلون لا يرد عليهم إلا بإجابات مشفقة .. تمنعه كرامته من تلقي المزيد من التعاطف
يقرر سحب أسئلته .. يغمض عينيه متعبا من المرض و يغوص في حلم يسترجع به أيام مجده
يضحك و هو نائم و تتحرك قدميه في احلامه .. يوقظه الألم فيغمس وجهه في حضن وسادته
رافضا ان ينظر خارج حلمه .. يفارق النوم عينيه مستكبرا عليه حلمه .. يقاوم اليقظة بالشرود
يتخيل أروع أحلامه .. يتغلب علي ألمه بالذهاب الي حيث لم تطأ قدماه من قبل
يدخل في غيبوبة عالمه الإفتراضي .. العالم الذي رسم له في طفولته .. هذا المكان الذي لم يتلوث ابدا
يجد نفسه ممتطيا جواده الأبيض .. يسمع صوت ارجل جواده تعترض رمال الشاطئ و تستقبل أمواجه
يسرع الجواد بينما  تحتضنه حبيبته من ظهره .. يقف الجواد و يلتفت هو برأسه ليري حبيبته سيدة قلبه
و ما كاد ان يراها حتي يستيقظ علي صوت حاد مذكرا له بميعاد دواءه ..
يبتسم له الطبيب و يحدد له يوم لجراحته .. يتهيأ لجراحته التي قد تعيده لسابق عصره
يدرك عقله استحالة ان تعود قدماه تخطو من جديد خطواته .. يستسلم للمخدر و يسلم نفسه لطبيبه
يغوص في حلم عميق لم يتجرأ احد من قبله علي الغوص به .. حلم لم يجرأ علي حلمه و هو بكامل صحته
حلم لو أدركه بني البشر لضحوا بكل احلامهم ليختلسوا منه صوره تغنيهم عن حياتهم
يفتح عينيه بمرار و بطء ليكتشف نظرة مطمئنة من طبيبه يدرك بعدها عودة الحياة لقدمه
يطلب منه الطبيب ان يبارح فراشه .. يخطو اولي خطواته كطفل يمشي للمرة الأولي في حياته
يسرع في خطواته تدريجيا .. يزيد من سرعتها و تتزايد معها سرعة دقات قلبه من فرحه
يخرج للشارع تستقبله السماء بترحابها .. يجري دون الم معانقا شمسه حتي يصل الي قلب مدينته
يغمض عينيه و يأخذ نفسا عميقا من هواء المدينة التي يجلس هو علي عرشها
هو من ؟ هو من تمسك بالحلم حتي اصبح هو و الحلم واحدا
يطلق صرخة فرح تهز المدينة و أركانها .. يغمض عينيه من جديد و تحتضنه الحياة بروحها
و ما كاد ان يحتضنها حتي يستيقظ علي صوت حاد مذكرا له بميعاد دواءه .